ابن الجوزي

150

صفة الصفوة

ذكر وفاته رضي اللّه عنه عن عمرو بن ميمون « 1 » ، قال : إني لقائم ما بيني وبين عمر إلا عبد اللّه بن عباس غداة أصيب ، وكان إذا مرّ بين الصفّين قال : استووا حتى إذا لم ير فيهن خللا تقدم فكبر ، وربما قرأ سورة يوسف أو النحل أو نحو ذلك في الركعة الأولى حتى يجتمع الناس ، فما هو إلا أن كبّر فسمعته يقول : قتلني أو أكلني الكلب ، حين طعنه ، فطار العلج بسكين ذات طرفين لا يمرّ على أحد يمينا ولا شمالا إلا طعنه ، حتى طعن ثلاثة عشر رجلا مات منهم سبعة فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنسا « 2 » فلما ظنّ العلج أنه مأخوذ نحر نفسه . وتناول عمر بيد عبد الرحمن بن عوف فقدمه . فمن يلي عمر فقد رأى الذي أرى ، وأما نواحي المسجد فإنهم لا يدرون غير أنهم قد فقدوا صوت عمر وهم يقولون سبحان اللّه سبحان اللّه ، فصلى بهم عبد الرحمن بن عوف صلاة خفيفة فلما انصرفوا قال : يا ابن عباس انظر من قتلني ؟ فجال ساعة ثم جاء فقال : غلام المغيرة . قال الصّنع « 3 » ؟ قال : نعم . قال : قاتله اللّه لقد أمرت به معروفا ، الحمد للّه الذي لم يجعل ميتتي بيد رجل يدّعي الإسلام ، قد كنت أنت وأبوك تحبان أن يكثر العلوج بالمدينة - وكان العباس أكثرهم رقيقا - فقال : إن شئت فعلت : أي [ إن شئت قتلنا ] « 4 » . قال : كذبت بعد ما تكلموا بلسانكم ، وصلّوا إلى قبلتكم ، وحجّوا حجكم . فاحتمل إلى بيته فانطلقنا معه ، وكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ ، فقائل يقول : لا بأس . وقال يقول : أخاف عليه . فأتي بنبيذ فشربه فخرج من جوفه ، ثم أتى بلبن فشربه فخرج من جرحه [ فعلموا ] « 5 » أنه ميت ، فدخلنا عليه وجاء الناس

--> ( 1 ) هو عمرو بن ميمون الأودي ، قدم مع معاذ من اليمن فنزل الكوفة ، وكان صالحا قانتا ، قيل حج مائة حجة وعمرة ، وكان إذا رؤي ذكر اللّه ، توفي سنة خمس وسبعين للهجرة ( انظر شذرات الذهب في أخبار من ذهب ص 78 ج 1 ) ( 2 ) البرنس : قلنسوة طويلة ، وكان النساك يلبسونها في صدر الاسلام ( انظر مختار الصحاح ص 50 ) ( 3 ) الصّنع : بفتحتين الصانع الحاذق في صناعته . ( 4 ) وردت في الأصل « أي قتلناهم » والمعنى قتلنا من بالمدينة من العلوج . ( 5 ) وردت في الأصل « فعرفوا »